منتديات الصمود الحر الشريف
زيارتكم تسرنا * ومشاركتكم لنا بالتسجيل والمساهمة في منتدياتنا تسعدنا * حللتم أهلا ونزلتم سهلا في منتدياتكم الصامدة الحرة الشريفة

منتديات الصمود الحر الشريف

هذه المنتديات تجمع الشرفاء والشريفات الذين يناضلون من أجل القضايا العادلة في فلسطين والعالمين العربي والإسلامي والعالم بأسره بالوسائل التعبيرية الشريفة والشرعية - لا تتحمل إدارة المنتديات مسؤولية ما ينشر فيها مما لا يعبر عن رأيها بالضرورة
 
الرئيسيةجديد اليوم*س .و .جبحـثالتسجيلدخول

وضع الأمريكان دستور العراق ........................... وضع الروس الآن دستور سوريا ..................... ربما هذا يعني أن سوريا من نصيب روسيا في مشروع الشرق الأوسط الجديد .............. لقد بدأ العد العكسي لزوال الدول العربية نهائيا من خريطة العالم

شاطر | 
 

 خمسون عامًا على توحيد السامريين /ب/

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
jalili
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

عدد المساهمات : 429
تاريخ التسجيل : 14/07/2010

مُساهمةموضوع: خمسون عامًا على توحيد السامريين /ب/   الجمعة ديسمبر 22, 2017 8:46 pm

حـ. جهود الوصول إلى جبل جريزيم
أشواق

نمت أشواق أبي للأقارب في نابلس منذ مجيئه من نابلس، في أيّام مكوثه الأولى في حولون، فبدأ في الضغط على ”سيدو“ ليستغلّ صداقته الشخصية مع عضو الكنيست إسحاق بن تسڤي لمنع تكرار ما حدث في فسح العامين ١٩٥٠ و١٩٥١، قبل قدومنا من نابلس في عيد فسح العام ١٩٥٢. كل سامريي تل أبيب شاطروه هذا الطلب. في العام ١٩٥٠ لم تزلِ الاشتباكات بين اليهود والعرب قائمة، ومعظم سامريي تل أبيب خشُوا من الوصول إلى جبل جريزيم، ولم يتقدّموا بطلب السفر إلى هناك في عيد القربان. عشرون سامريًا فقط من ضمن سبعة وسبعين نسمة خارج نابلس جرُؤوا للتوجه لممثلي الصليب الأحمر في تل أبيب بغية الحصول على تصريح لزيارة نابلس في أيّام عيد الفسح. توجّه العشرون لعضو الكنيست بن تسڤي ليساعدهم وهو الذي أوصى عليهم لدى سلطات إسرائيل. بُلّغ رجال الصليب الأحمر في آخر المطاف بأنّ المملكة الأردنية برئاسة الملك عبد الله رفضت الطلب.

في العام ١٩٥١، وفي أعقاب التصريح الذي أُعطي للكاهن عمران (عمرم) بن إسحاق، نائب الكاهن الأكبر ناجي (أبيشع) لزيارة أبناء الطائفة في تل أبيب انبلج الأمل لدى الطائفة بأن يسمح الأردنيون لسامريي تل أبيب في العام ١٩٥٢ وللمرّة الأولى بعد العام ١٩٤٧ بالعبور إلى جبل جريزيم للاشتراك في القربان. تبرّع الملك عبدالله نفسه لسامريي نابلس بمائة دينار لحنطة وطحين المصّة. سامريو تل أبيب كانوا جاهزين للسفر بحقائبهم ومزوّدين بتأشيرات عبور من قبل الصليب الأحمر وحكومة إسرائيل. في اللحظة الأخيرة أعلن الأردنيون عن عدم سماحهم للسامريين بالعبور. وروت الصحافة ”على سطح البيت في تل أبيب، يكتظّ عشرات الرجال والأولاد في تخشيبات وخيام أقيمت مؤقتًا لإيواء العائدين“.

وصول أبينا وأشواقه الشديدة لأمّه وإخوته، التي تفاقمت يومًا بعد يوم، جعلت من مطالبته لـ”سيدو“ أمرًا يوميًا والذي بدوره توجّه لصديقه بن تسڤي. في فسح العام ١٩٥٢ وبعد جهود إقناع كثيرة قام بها أيضًا الشقيقان الكاهنان عمران نائب الكاهن الأكبر وأخوه صدقة لدى رجال البلاط الملكي في عمّان، سُمح للسامريين ومن ضمنهم أبي وأمّي وأنا ابن الثماني سنوات وأخي ابن الست سنوات بزيارة جبل جريزيم لثلاثة أيّام فقط للاشتراك في احتفال قربان الفسح. أقمنا نحن وسامريو تل أبيب في خيام أقامها أقاربنا النابلسيون. ستّة شبان مُنعوا من الدخول من قِبل الأردنيين بحجّة أنّهم يخدمون في جيش الدفاع الإسرائيلي، ونفاها سامريو تل أبيب لأسباب تتعلّق بأمن الطائفة في نابلس. في النهاية عبر في فسح العام ١٩٥٢سبعة وستّون سامريًا إلى جبل جريزيم وعادوا من هناك بعد ثلاثة أيّام. في معبر مندلباوم وقبل سفرهم لنابلس جبى الأردنيون من كلّ سامري مائة وتسعين قرشًا، مبلغ كبير في ذلك الوقت، وكان يكفي لإعالة عائلة لمدّة أسبوع.

الاحتفال بختم التوراة في يافا

للمرّة الثانية وصل الكاهن عمران تل أبيب في آخر تموز العام ١٩٥٢ لحضور احتفال عائلة عابد (عوڤاديا) صدقة بختم التوراة الذي أقيم خصّيصًا لزيارة عضو الكنيست إسحاق بن تسڤي ولصديق السامريين دكتور يسرائيل بن زئيڤ (إسرائيل ولفسون، أبو ذؤيب) مفتّش اللغة العربية في وزارة المعارف، الذي أصبح مستشار بن تسڤي للشؤون السامرية. أُقيم احتفال ختم التوراة للشقيقين يوسف ابن الثلاث عشرة سنة وسلامة ابن الإحدى عشرة سنة ابني العمّ عابد (عوڤاديا). حضور الكاهن عمران وإسحاق بن تسڤي وغبطة الاحتفال العامّة بإشراف ”سيدو“ رفعا سقف التوقّعات في أن يسمح الأردنيون في العام ١٩٥٣ لجميع سامريي تل أبيب وحولون أن يمكثوا على جبل جريزيم كلّ أيّام الفسح والمصّة/متسوت، وهكذا كان.

في المقابل تحدّثت الصحافة العبرية عن تحسّن اقتصادي في أراضي المملكة الأردنية. عندما اجتزنا الحدود عام ١٩٥١، استغرب عرب نابلس كيف نترك الوفرة الاقتصادية في نابلس وننتقل إلى تل أبيب حيث التقشّف والتقنين. الحقيقة كانت شيئًا آخر. في نابلس أيضًا كان الوضع السياسي جدّ سيّء. صحيح، الحوانيت كانت ملأى بالمنتوجات ولكن تمتّع بذلك موسرون قلائل ولم يكن السامريون من ضمنهم. استمرّ السامريون بتسلّم مخصّص زهيد من المال [سبعة وثمانين قرشًا ونصف للنفر الواحد شهريا]، وغِذاء [زيت وطحين في الأساس]، من منظّمة الجوينت بواسطة الصليب الأحمر وبجهود بن تسڤي. بلغ سعر كيلو الطحين ثمانية قروش، أمّا ثمن لتر الزيت فكان أربعين قرشًا، وهذا كان بعيدًا عن متناول أيدي السامريين. في أمر واحد على الأقلّ، كان سامريو نابلس البالغ عددهم حوالي مائتين وأربعين نسمة عام ١٩٥٢ في الحيّ السامري الجديد، يتمتّعون بحرية تنقّل كاملة في كل ّساعات اليوم ولدى جميعهم هويّات أردنية. لم يقاطع عرب نابلس السامريين بالرغم من قرابتهم من اليهود.

خ. إسحاق بن تسڤي والسامريون

تذليل الصعوبات

في كانون الأوّل عام ١٩٥٢ انتُخب بن تسڤي بأغلبية أصوات أعضاء الكنيست رئيسًا ثانيًا لدولة إسرائيل. يذكر أن بن تسڤي الذي قدم للبلاد من روسيا، وهو ابن ثلاثة وعشرين عامًا، كان قد قضى مدّة غير وجيزة في بيت والد سيدو، الشاعر ومعلم الشريعة المبجّل إبراهيم بن مفرج (مرحيب) صدقة، أحد علماء الطائفة البارزين بعامّة وفي القرن التاسع عشر بخاصّة. دعا إبراهيم الشابَ الصهيوني المتحمّس المؤمن بأسمى مفهوم لتحقيق الاستيطان في فلسطين (أرض إسرائيل)، أن يسكن عنده في بيته الواسع الذي تحيطه بيّارة في يافا. التقى الحكيم المسنّ والشاب المتعطّش للمعرفة صدفة عندما كان بن تسڤي يبحث عن معلّم للغة العربية في سوق يافا العربية، التي وصلها إبراهيم قبل ذلك بسنتين أي عام ١٩٠٥. آمن بن تسڤي المثالي كلّ حياته بأنّ العرب واليهود قادرون على العيش سوية، وتعلّم العربية أفضل وسيلة لمدّ الجسور بينهم.

الحكيم إبراهيم أحبّ الشاب المفعم بالحيوية منذ لحظات اللقاء الأولى، دعاه للانتقال من العلية التي استأجرها للسكن في ميناء يافا إلى بيته الواسع. هناك سكن بن تسڤي بالمجّان ستّة أشهر، تصاحب في خلالها مع أبناء إبراهيم الستّة. الكلّ عرف ولاء إبراهيم لشعبه ولتقليده الخاصّ وكأنّ عدد شعبه ملايين وليس كما كان تعداده في تلك السنة ١٩٠٧، مائة وسبع نَسَمات.

الحكيم إبراهيم أثّر على بن تسڤي

بن تسڤي أخذ انطباعًا جيدًّا عن شخصية إبراهيم الحكيم (أولاد إبراهيم بن فرج/مرحيب صدقة هم: فارس/پيرتس، صدقة/تسدكه، مصباح/نور، حسني/يفت، بديع/چوئيل، جمال؛چمليئيل) نسي هدف مجيئه إلى بيته وتركّز في قصص ماضي إبراهيم، حول أمجاد شعبه، وما نكّلت به الشعوب الكثيرة والمختلفة التي غزت الأراضي المقدسة، وجعلته يقف على حافّة الانقراض، أقلّ من مائة وثمانين نسمة بعد أن كان عدده في أوجه قرابة المليون ونصف المليون في القرن الخامس للميلاد. تأثّر بن تسڤي بشكل خاصّ من الإيمان العميق الذي تمتّع به إبراهيم الحكيم، الذي توقّع مستقبلا زاهرًا من جديد لشعبه. تمكّن إبراهيم الحكيم قبل وفاته عام ١٩٢٨ من رؤية براعم تحقّق نبوءته. وصل عدد أفراد الطائفة عام ١٩٢٨ إلى حوالي المائتي نسمة ووَفق الإحصاء الانتدابي البريطاني لعام ١٩٣٤ بلغ العدد مائتين واثني عشر ونيّف. في الإحصاء البريطاني الأوّل الذي أُجري في آذار عام ١٩١٩ بلغ عدد السامريين مائة وإحدى وأربعين نسمة فقط، ثمانون من الذكور وواحدة وستون من الإناث. هبوط عدد السامريين المذهل من مائة وثمانين نسمة عام ١٩٠٨ إلى مائة وإحدى وأربعين نسمة عام ١٩١٩ تسبّب عن تجنيد الأتراك القسري في الحرب الكونية الأولى لأربعة وعشرين شابًا سامريًا، جلّهم لم يرجع من الحرب؛ والباقي قضى نحبه في الوباء الذي تفشّى في البلاد، عند نهاية الحكم العثماني في فلسطين الذي استمرّ أربعة قرون.

إسحاق بن تسڤي العائد إلى البلاد عام ١٩٢٩ بعد أن طرده الأتراك مع داڤيد بن غوريون بسبب نشاطهما المناوىء لسياسة السلطان عبد الحميد، عام بعد زواجه من راحيل ينئيت ذات الروح السامية كزوجها، أخذ باستئناف علاقاته مع أصدقائه السامريين ولا سيّما مع الأخوين مصباح (نور) وحسني (يفت) ولدي الحكيم إبراهيم. التقى بهما في كثير من الأحيان، واطّلع عن كثب على أحوال الطائفة العامّة. نشاطه جعله في قمّة اليشوڤ (السكّان اليهود في فلسطين قُبيل إقامة إسرائيل) مع بن غوريون وحاييم سوكولوڤ ودكتور حاييم ڤايتسمان وآخرين. وفي أربعينات القرن العشرين انتُخب بن تسڤي رئيسًا للجنة القومية التي سعت لتأسيس الدولة القادمة. وعند قيام الدولة انتخب بن تسڤي ليكون عضو كنيست من قِبل الحزب الحاكم مپاي (حزب عمّال أرض إسرائيل). هو لم يهجُر أصدقاءه السامريين وخاصّة أولائك الذين بقُوا في إسرائيل بعد النكبة (حرب استقلال إسرائيل، حرب الـ ١٩٤٨). توفي مصباح/نور وبقي لبن تسڤي صديقه الآخر حسني، جدّي المُكنّى ”سيدو“ الذي فرّ إلى نابلس عند اندلاع الأحداث القاسية بين اليهود والعرب في بداية العام ١٩٤٧، واشتدّت عند إعلان استقلال دولة إسرائيل في أيّار ١٩٤٨. جهود بن تسڤي بعد انتهاء الحرب لإرجاع صديقه حسني إلى أقاربه في تل أبيب تكلّلت بالنجاح في الثلاثين من آب ١٩٤٩.

إسحاق بن تسڤي يُنقذ حياة الكثيرين

انتخاب إسحاق بن تسڤي رئيسًا ثانيًا لدولة إسرائيل في كانون الثاني عام ١٩٥٢، أسعد الكثيرين ولا سيّما السامريين القلائل الباقين في تل أبيب ويافا بعد الحرب. ذلك الانتخاب شجّعهم ورفع من معنوياتهم. وعند انتقاله إلى مسكن الرئاسة المتواضع في القدس عيّن بن تسڤي سكرتيره ألكسندر دوتان ليعتني شخصيا بكلّ ما يتوجّه به السامريون إليه، كما وصّى مؤسّسات مختلفة بتشغيل السامريين. وكذلك استمرّ في اهتمامه بأن يتابع الجوينت اليهودي تقديم المعونة مالًا وغذاء لسامريي نابلس عبر منظّمة الصليب الأحمر السويسري. وبفضل جهوده تسنّى للكاهن عمران بن إسحاق النابلسي، نائب الكاهن الأكبر ناجي (أبيشع) أن يزور السامريين في تل أبيب في السنتين ١٩٥١-١٩٥٢. كانت لبن تسڤي مراسلات شبه يومية مع أصدقائه في تل أبيب وبخاصّة مع صديقه الحميم حسني بن إبراهيم صدقة. وخير شاهد على ذلك المئات الكثيرة من الرسائل والتوجّهات إليه. وقد عالج ألكسندر دوتان كلّ موضوع بإخلاص شديد. حفِظ الرئيس كلّ رسالة، وقد صُوّرت كل هذه المراسلات وهي قسم من أرشيف معهد أ. ب. للدراسات السامرية في حولون.

رجُل الشعب

كلّ طبقات الشعب أحبّت إسحاق بن تسڤي. اعتنى شخصيًا بجلب المبعَدين اليهود من بلاد الشرق إلى البلاد. وعليه لم يُنتخب عبثًا ثلاث مرّات لرئاسة الدولة. كان المبادر في إقامة ”البيت المفتوح“ في عيد العرش، الذي فيه يزور آلاف المواطنين بيت الرئيس. لذلك أخذ سامريو تل أبيب وحولون عند انتخابه عام ١٩٥٢ يتوقّعون أكثر فأكثر تحسّنًا في مستقبلهم في دولة إسرائيل. أصبحت لديهم الآن أُذن صاغية في أعلى قمة لليشوڤ اليهودي المتجدّد في فلسطين (أرض إسرائيل).

د. يلعقون جراح الحرب
تجمّع متجّدد

”سيدو“ يجمّع من جديد قاطني تل أبيب ويافا لمدّة تسعة أشهر قبل أن يصل الشقيقان، كاتب هذا السطور وأخوه إلى تل أبيب، وكان عددهم ثمانية وخمسين سامريًا من رجال ونساء وأولاد وعاشوا في ظروف عصيبة وبخوف من المضايقين في الاشتباكات المتكرّرة بين اليهود والعرب. عضو الكنيست إسحاق بن تسڤي تبنّاهم ببساطة. كان زعيمهم حسني بن إبراهيم قد انتقل في نهاية ١٩٤٧ إلى نابلس في حين كان سفك الدماء جاريًا بين يهود تل أبيب وعرب يافا. أقام السامريون على خطّ التماس بين المدينتين، يافا القديمة المعادية مقابل رجال تل أبيب الجديدة والشجعان منهم لم يقفوا متفرّجين بل تقاتلوا مع أبناء الأحياء المجاورة في يافا.

بعض الصحفيين انبرى للدفاع عن السامريين القلائل ووصفوا حياة فاقتهم؛ كانوا في الصباح يقولون يا ليت المساء يأتي، وفي المساء يضرعون لمجيء الصباح من خوفهم ممّا شاهدوا. في السبت كانوا يرتدون ملابس تقليدية ذكّرت جيرانهم بلباس العرب؛ نزعوا البنطال والقميص الأوروبيين ولبسوا تونيات السبت، التي لا تمتّ للباس عرب يافا بأيّة صلة. عند إرتدائهم ملابس العمل ”الأوروبية“ في خلال الأسبوع ظنّهم عرب يافا يهودا وعند إرتدائهم تونيات السبت ظنّهم جيرانهم اليهود عربًا، واعتدي عليهم وأُصيبوا جسديًا في كلتا الحالتين. بن تسڤي جنّد الصحافة العبرية لصالحهم فطلبت من اليهود التوقّف عن الإساءة إليهم لأنّهم ”إخوتنا بنو إسرائيل هم“.

لتفادي أيّة إمكانية احتكاك، اختلى الشبّان السامريون القلائل في بيوتهم وتخشيباتهم، ولم يغادروها طَوال يوم السبت لمنع وقوع إصابات من قبل القبضايات العرب واليهود؛ وفي النهاية عندما بلغ السيل الزُّبى، قرّر السامريون عدم ارتداء لباس السبت، وإقامة الصلاة باللباس الأوروبي لئلا ينظر إليهم كعرب. خزنوا الطرابيش في الخزائن واستعاضوا عنها بقلنسوات الرأس (كِپُوت) والقبعات. أقاموا الصلاة في الصالون الصغير في البيت المشترك الخاصّ بإسحاق ويعقوب ابني فارس (پيرتس) صدقة. أولائك الآتون من خارج العِمارة مكثوا هناك طيلةَ السبت.

تبيّن أنّهم يحاولون جهدهم المحافظة على إيمانهم الخاصّ بالرغم من الأحداث، ولكن مع ذلك فإنّ كبرياءهم القومية كأبناء طائفة قديمة قد أُصيبت لحدّ ما؛ نظر اليهود إليهم كعرب، ونظر العرب إليهم كيهود. عندما عاد حسني بن إبراهيم صدقة ثانيةً من نابلس إلى تل أبيب في آخر آب عام ١٩٤٩، على رأس مجموعة من تسع عشرة نسمة، رُبع عدد سامريي تل أبيب ويافا، سبع وسبعين نسمة، وجد إخوته وأقاربه في هذه الحالة المحبطة؛ حاول تشجيعهم ورفع معنوياتهم. أكبرهم سنًّا كان يعقوب بن شمعون سراوي الدنفي العائد مع حسني بن إبراهيم من نابلس؛ وتلاه من حيث العمر ”سيدو“ ابن الخمس والخمسين سنة، أصغر من يعقوب بسنتين. ”سيدو“ أمسك رأسًا بزمام قيادة الطائفة محاولًا توجيهها، بالرغم من الوقت العصيب والمتوتّر أمنيًا عند مخاض إقامة الدولة الجديدة.

في وقفة السبت الأولى دخل ”سيدو“ غرفة الضيوف، الصالون المعدّ للصلاة في السبت. لبَس لباس السبت وهمّ بافتتاح الصلاة. ذُعر عندما رأى أبناء إخوته وأقاربه جالسين بالبنطال والقميص؛ طالبهم بإخراج ملابس السبت من الخِزانة قبل شروعه بالصلاة. لم يقبل شرحهم عن اعتداء الجيران وطالبهم بحزم تنفيذ تعليماته. استجابوا فلبَسوا ملابس الصلاة، بدأت الصلاة كما ينبغي.

لجنة الطائفة الأولى

لم يكن ذلك كافيا. علِم ”سيدو“ أنّ الطريق الوحيدة لإخراج السامريين من حياة الفاقة، كانت البحث عن مخرج لهم. أولى محاولاته كانت الاتّصال بصديقه بن تسڤي ليعمل رسميًا من أجل السامريين. ومن أجل ذلك، طلب مساعدة ابن أخيه وصهره، زوج ابنته راحيل -إبراهيم بن نور وسُرعان ما أسّس لَجْنة عمل أخذت بعقد جلسات منتظمة لاتّخاذ خُطُوات عملية من أجل السامريين خارج نابلس، ومن أجل أقاربهم الذين بقُوا في نابلس. ثلاثة أعضاء اللجنة الأولى، كانوا من سامريي تل أبيب البالغين، حسني رئيس الطائفة، يعقوب بن شمعون سراوي ومبارك بن سعيد المفرجي (وباروخ بن سعد مرحيب) ممثل العائلة اليافوية.
هذا الانتخاب أثار معارضة من قِبل الذين لم يُمثَّلوا في اللجنة. شهدت الجلسات الأولى التي دُعي إليها دكتور يسرائيل بن زئيڤ (أبو ذؤيب) مناقشاتٍ مريرةً بين المؤيّدين والمعارضين. لا شكّ أن وقوف بن تسڤي وبن زئيڤ إلى
جانب حسني بن إبراهيم دعم تركيز الطائفة الصغيرة. بعد انتخاب اللجنة، عقد الأعضاء والسكرتير أبراهام بن نور صدقة جلسة ثانية، صادفت سنة بعد عودة ”سيدو“ من نابلس في الثالث من آب العام ١٩٥٠، للبحث في المواضيع المطروحة واتّخاذ القرارات.

الدكتور بن زئيڤ روى لكاتب السطور مستذكِرًا ما جرى في الجلسات الأولى من صخب عال دار بين الشبان. في آخر المطاف رجحت كفّة ”سيدو“، إذ أنّ معظم الموجودين كانوا من أقاربه، أبناء أخوته. ”سيدو“ كان يُملي القرارات النهائية في المواضيع المطروحة، على أبراهام ابن أخيه وصهره الذي دوّن المحضر بخطّه الجميل جدّا في الحروف العبرية الحديثة وفي الحروف العبرية القديمة (السامرية) على حدّ سواء.

التجنيد لجيش الدفاع الإسرائيلي

الموضوعان الرئيسيّان كانا: موضوع التجنيد لجيش الدفاع الإسرائيلي (جدإ) وموضوع إيصال الدعم لأقارب سامريي تل أبيب في نابلس. بصدد الموضوع الأوّل، فقد قُرّر في الجلسة الأولى تجنيد كلّ الذين بلغوا سنّ التجنيد كأيّ مواطن إسرائيلي، أضف إلى ذلك أنّ حكومة إسرائيل طبّقت قانون العودة على السامريين مثلهم مثل أي قادم يهودي جديد إلى إسرائيل. قُرِّر بشأن الموضوع الثاني بأن يُنقل دعم سامريي تل أبيب لإخوتهم النابلسيين مرفَقًا بمساعدة الجوينت بواسطة الصليب الأحمر. جُمع مبلغ محترم، مائة وخمس وعشرين ليرة إسرائيلية (آنذاك حوالي خمسمائة دولار أمريكي). كما وتقرّر تبنّي اقتراح تنظيم كلّ عمّال الفسيفساء وملمّعي الدرج وحافات المباني من السامريين، ودعوة كلّ العمّال السامريين للانضمام لهذة المنظّمة. حقًا، في السنوات الأولى لتنظيم الطائفة في تل أبيب، نجح العمّال في العمل معًا والمطالبة بأجر أعلى. تبيّن أنّ الخُطوة الأولى نحو بلورة الطائفة برئاسة ”سيدو“ قد تكلّل بالنجاح.

ذ. شتات السامريين خارج نابلس
لاجئون سامريون

قبل النكبة (حرب استقلال إسرائيل)، إقامة دولة إسرائيل، الحرب وسنوات الدولة الأولى، وقبل انتقالهم لحيّ خاصّ بهم عام ١٩٥٥، كانت بضع عشرات السامريين خارج نابلس، موزّعة على أماكن مختلفة. بعد قيام الدولة وفي السنوات ١٩٤٩-١٩٥٤ توزّع السامريون على الشكل التالي: عائلتان، عائلة عابد (عوڤاديا) صدقة وعائلة مفرج (مرحيب) سكنتا في مكانين مختلفين في يافا. أسرة شقيق ”سيدو“ جمال (چملئيل) وبنوه سكنوا في حي الذين أُخلوا في رمات يسرائيل في شرق تل أبيب، أسرة ”سيدو“ وصِهره راضي صدقة وابنته باتيه على رمال حولون؛ صهره الثاني ابن أخيه أبراهام في حولون أيضًا؛ ابنته عصفورة (تسيپوره) وزوجها العبد اللطيف (عبد حنونه)، سليم (شالوم) وأخوه سكنوا في شَقة في حولون. شقيق ”سيدو“ الآخرُ بديع (چوئيل) سكن في شمال تل أبيب؛ الأمين (بنياميم) بن إسماعيل يوشع وصهراه صدقي (تسادوك) وإفرايم سكنوا في رمات غان. أبناء عائلتي إسحاق ويعقوب ابني شقيق ”سيدو“ بقُوا ساكنين في شارع إيلات رقم ٦٢ في تل أبيب في شَقّة في الطابق الثاني. وعلى سطح تلك العِمارة بقيت بقايا لاجئي نابلس العائدين مع ”سيدو“ سنة ١٩٤٩.

كلّ هذا الشتات كان يجتمع للصلاة في الكنيس المؤقّت، الذي أُقيم في تخشيبة كبيرة أقامها ”سيدو“ في منطقة الرمال. وصل إليه من نابلس أكبر آل صدقة سنًّا، ذكي بن نمر (زكاي بن أريه) وزوجته حسون، ابنه نمر (أريه) وزوجته ناديا صدقة. أقام ”سيدو“ تخشيبة لثلاثتهم بجانب تخشيبته الواسعة على الرمال. كما كان يجتمع الجميع في الأعياد اليهودية على رمال بات يام في ما سُمِّي بـ”شطحة“ سنوية للانتعاش والتمتّع بما أعدّته النساء من ألوان الطعام اللذيذ. كلّ أولائك السامريين اعتبروا إسحاق بن تسڤي عضو الكنيست الجديد، منقذًا لهم وتوجّهوا إليه حتّى في أبسط الأمور. من جهته رأى إسحاق بن تسڤي في هذا الموضوع رسالة سامية، لإحياء بقايا مملكة إسرائيل من جديد، كما تعرّف في رحلاته في آسيا على طوائفَ تعتبر نفسها من سلالة مملكة إسرائيل.

إسحاق بن تسڤي، الذي كان رمز التواضع في مسلكه ومسكنه في القدس، تبنّى جميع أبناء الطائفة، استغلّ صلاتِه المتشعبةَ كونه أحد زعماء اليشوڤ اليهودي، وهكذا ٱستجيبت توجهاته وتوصياته لكلّ الجهات بغية مساعدة السامريين خارج نابلس. كما أسلفنا، بالرغم من الحدود السياسية المعادية بين إسرائيل والمملكة الأردنية، أفلح بن تسڤي ابتداء من العام ١٩٤٩ في تجنيد دعم المنظمة اليهودية الأمريكية ”الجوينت“ برئاسة تشارلز غوردون وإيصال مخصّصات مالية وغذائية لكافّة سامريي نابلس.

لا أحذية جديدة لإبراهيم ومبارك (لأبروم وباروخ)

من الإنجازات الجمّة والرائعة، التي قام بها الملاك الإنساني إسحاق بن تسڤي من أجل سامريي تل أبيب، الذين خلّفوا كتابات في الأرشيف الشخصي لهذا الرجل العظيم، وأورد هنا قصّتين نموذجيتين. خدم بن تسڤي جميع أبناء شعب إسرائيل منذ هجرته إلى البلاد عام ١٩٠٧ وحتى وفاته في نيسان العام ١٩٦٣ بعمر تسعة وسبعين عامًا في الفترات الثلاث المتتالية التي شغل فيها منصب رئيس دولة إسرائيل الثاني. يعود الحادث الأوّل إلى الفترة التي شغَل فيها بن تسڤي منصب رئيس اللجنة القومية، المؤسّسة العليا لليشوڤ اليهودي في البلاد. وهو حثّ السامريين للتوجّه إليه مباشرة، وهكذا وصل إلى بيته في القدس شقيق ”سيدو“ الذي سكن مع أبنائه يسرائل وأبراهام (وأبروم) ومبارك (باروخ) والبنت أفيفه والزوجة إستير في حيّ الذين أُخْلوا، الذي كان جزء من حيّ رمات غان في تل أبيب، وبوسائطه المتواضعة أعال أفراد أُسرته بشرف. تعلّم الأبناء والبنت في مدرسة حكومية مجاورة. يسرائيل تعلّم في مدرسة ثانوية وأبروم ومبارك (باروخ) في مدرسة ابتدائية. شحنات الملابس المستعملة والأحذية الجديدة التي جادت بها عائلات موسرة في تل أبيب لصالح أبناء أحياء الذين أُخْلوا، إلى أن يتحسّن وضعهم بقواهم الشخصية.

بين الفينة والأخرى كان تلاميذ المدرسة الابتدائية يصطفّون أمام غرفة المدير، الذي كان يوزّع عليهم الملابس والأحذية التي وصلت المدرسة. كان التلميذان أبروم ومبارك (باروخ) من بين الذين انتظروا وتوقّعوا تسلّم نصيبهم. عندما جاء دورهما، وللأسف الشديد، طلّ المدير، الذي أخبر كاتب هذه السطور بعد خمسين عامًا من الحادث، وأعلن عن عدم وجود أحذية للتوزيع وعلى الأولاد الذين لم يحصلوا عليها، الانتظار حتّى الشحنة القادمة. أحسّ أبروم ومبارك بأنّهما منبوذان وجريا إلى البيت ليشكوا لأبيهما جمال (چمليئل) الذى استمع لشكواهما وبكائهما. محاولات الشقيق البِكر يسرائل للتهدئة لم تُجدِ نفعا. في اليوم التالي سافر جمال (چمليئل) إلى القدس ليتقدّم بشكوى مباشرة لإسحاق بن تسڤي على الغبن الجسيم الذي لحق بالعائلة السامرية. فوجىء السيد هولتس مدير المدرسة اليهودية جدًّا عندما دعا طارقَ باب غرفته للدخول، بعد بضعة أيّام، ورأى أن ضيفه هو السيّد إسحاق بن تسڤي رئيس اللجنة القومية بعظمه ولحمه. تعجّب المدير من الزيارة، لم يتلق إخطارًا مسبقًا بشأن زيارة الضيف رفيع المستوى، عندها لكان كلس (رشق) ودهن المدرسة احتفاء بالضيف. كان بن تسڤي متجهّم الوجه ورفض دعوة مضيفه للجلوس. رفع يده وهو واقف محذّرًا، وسمع صوته المجلجل طالبًا معرفة لماذا يظلم المدير الأولادَ السامريين؟ مضى وقت طويل حتّى تمكّن المدير من إقناع بن تسڤي بأن لا شيءَ وراء الأكمة، وأوضح تفاصيل الحادث. نتيجة ذلك ارتضى بن تسڤي فجلس وشرح قائلًا إنّ السامريين إخوتنا هم، بنو إسرائيل هم ويحظر ظلمهم. وعد المديرُ ابنَ تسڤي بأنّه في شحنة الملابس والأحذية القادمة سيكون الشقيقان أبرهام ومبارك (وباروخ) أول الحاصلين على نصيبهما. أعرب بن تسڤي عن رضاه وغادر لمعالجة شؤون، احتلّت أعلى أولويات كلّ اليشوڤ اليهودي في البلاد. هكذا كان إسحاق بن تسڤي.

حادثة أنس مفرج/المفرجي (أنوش مرحيب/همرحيبي)

الحادث الثاني يتعلّق بالشابّ أنس بن شاكر المفرجي (أنوش بن يششكر مفرج) الذي سكن مع شقيقه خليل (إبراهيم) ومع عائلة بني مفرج في يافا. ذات يوم أُصيب أنس في حادثة طرق عندما كان راكبًا على درّاجته النارية، إذ أنّ سيّارة شحن أصابته برِجله إصابة بليغة. ركض شقيقه البكر خليل على الفور للعمّ عابد (عوڤاديا) صدقة اليافاوي وقصّ عليه محنة أخيه ملتمسًا منه المساعدة لإدخاله المستشفى لإجراء عملية في رِجله وظهره. في نفس اليوم سافر العمّ عابد صدقة إلى إسحاق بن تسڤي طالبًا إحالة منه للمستشفى. بقي خليل (إبراهيم) مع شقيقه أنوش وهو يئن من آلام شديدة جدّا. لم يتردّد بن تسڤي فأحال أنوش وأخاه لإدارة مستشفى تل-ليطڤينسكي في تل أبيب، ذاكرًا تعليمات مناسبة واستجاب المستشفى وعالج الجريح. رقد أنس بالجبس سنتين تقريبًا، ووصل جبل جريزيم عبر بوابة مندلباوم المقدسية على سرير المرض بمساعدة أفراد عائلته. اعتنى شقيقه إبراهيم به بإخلاص كبير وفي السبوت كان يمشي إلى المستشفى، يجلب له الطعام ويقضي ساعاتٍ معه لرفع معنوياته. الكاتب يتذكّر زيارته مع والديه وقت سكناهم على سطح البناية في شارع إيلات رقم ٦٢ في تل أبيب. أُنقذت رِجل أنس إلّا أنّه بقي يعرُج طَوال حياته. هكذا كان إسحاق بن تسڤي.

ر. قصّة حُبّ على رمال حولون
”سيدو“ ومريم

في تلك الأيّام، حينما كان عمر الكاتب يتراوح بين السابعة والعاشرة، في الأعوام ١٩٥١ و١٩٥٤، لم يعرف معنى الحبّ ما بين رجل وامرأة. خبَر غير مرّة حبّ الأمّ والمنافسة بين أمّ بيولوجية وجدّة حبيبة لمحبّته. تعلّمتُ معنى حبّ الرجل لزوجته من خلال متابعتي لشخصين أحببتهما حبًّا جمًّا، وقدّرتهما بكلّ ما لدى الفتى من قوّة. الحبّ الذي نما بين ”سيدو“ في عشرينات القرن العشرين، عندما بادر مشغّله الدكتور كسپي، مدير المسلخ في يافا، في إجراء ”لقاء أعمى“ (blind date) له مع مَن أصبحت لاحقًا زوجته، اليهودية الأولى، مريم حايكين-خودوروڤ، أرملة لها ولد، وكان ذلك عام ١٩٢٤ وتزوّجها في يافا ببركة الكاهن إبراهيم بن خضر (فنحاس) بن إسحاق الذي قدِم من نابلس خصّيصًا لعقد القران.

كان هذا الحبّ من النظرة الأولى، كما شهد ”سيدو“ (حسني بن إبراهيم صدقة الصباحي = يفت بن أبراهام تسدكه هصفري) وكان زواجه هذا المتجدّد، مريم كانت ابنة أربع وعشرين سنة وحسني ابن ثلاثين سنة، من يهودية الأوّل بعد انقطاع دام ألفي سنة. مريم انضمّت تمامًا إلى الطائفة لحبّها لحسني أحمر الشعر (الجينجي)، طويل القامة وذي العينين الخضراوين الواسعتين المتّقدتين، شخصية غالب، زعيم منذ الولادة. شاطرها حسني الحبّ ذاته. ولكن ماذا نعرف نحن في الواقع عن الحبّ؟ النزر اليسير. من هذا النزر تعلّم كاتب السطور كثيرًا من الطريقة التي ردّ فيها ”سيدو“ الحبّ لمريم. لم يحبّها عبثًا. كانت امرأة قوية روحيًا وجسديًا، كلّ ما ندركه بخيالنا عن معنى المفهوم ”أمّ روسية“. أنجبت من زوجها حسني ستّ بنات وابنًا أصحّاء جسدًا وروحًا. أسمت بناتها بأسماء شقيقاتها. الاسم الوحيد الذي اختاره حسني كان أن أطلق على المولود السادس من السبعة اسم شقيقه الميّت صدقة، الذي قضى من الوباء في الحرب العالمية الأولى، ودُعي صدقة تسوديك على الطريقة الروسية. وكان هذا تجسيدًا للحبّ. نشّأ الاثنان أولادهما على محبّة أقدم تقليد إسرائيلي مبني على التوراة فقط.

رافقته في دربه

رافقت مريم حبيبَها حسني لكل مكان قصده. تعرّف إليها حين كان في يافا، وبعد ذلك انتقل الاثنان إلى شارع عين يعقوب على خطّ التماس بين يافا العربية وتل أبيب اليهودية. سافرا مع أولادهما من يافا ومن تل أبيب في كل عيد فسح لمدّة أسبوع وأقاموا في خيمة نصبوها على جبل جريزيم. كانت مريم السامريةَ الأولى التي أرسلت بناتها لمدرسة نظامية، مدرسة يحيئلي للبنات في حيّ نيڤي تسيدك في تل أبيب. ثم انتقلت مع زوجها من تل أبيب إلى نابلس عام ١٩٤٧. كانت معه على سطح البناية في تل أبيب، وبعد عودة حسني من نابلس في أيلول سنة ١٩٥١ انتقلت معه للسكن في خيمة ثم في تخشيبة على بحر من رمال حولون، مقابل نُزُل/شيكون القدامى (شيكون ڤتيكيم) على بعد نصف كيلومتر رملي من أقرب شارع، شارع العمل (هعڤوداه).

”اختطف“ الاثنان كاتبَ السطور، إثر مراسم ختانته في نابلس إلى يافا من ابنتهما البكر باتيه وصِهرهما راضي. أصرّا على تربية المولود. وُلد الكاتب خديجًا، بعد سبعة أشهر من الحَمْل على يد القابلة أم رفيق بحالة يُرثى لها، على حافّة الموت. عندما كان عمره سنتين عاد إلى نابلس في العام ١٩٤٦. كان طبيعيًا لهذا الطفل الغضّ أن يرى فيهما موضع حبّه وتقديره غير المتناهيين. وعندما انتقلنا مع الأمّ باتيه من نابلس إلى تل أبيب تبنّى ”سيدو“ ومريم
مجدّدًا كاتبَ هذه السطور وأخاه الأصغر منه بسنتين. الكاتب وأخوه أعادا الحب بحبّ بقدر استطاعتهما كولدين غضّين ولبّيا كلّ أمر ومطلب بسرور وحبور.

الحبّ هو الأقوى

حبّ ”سيدو“ ”لِإيما/للأمّ“ (هكذا بالعبرية نادينا الجدّة مريم حتّى موتها المفاجىء) كان الأقوى، كما تشهد على ذلك القصّة التالية. اعتادت مريم التسوّق في تل أبيب أسبوعيا. كان ”سيدو“ يرافقها إلى موقف الحافلة في شارع العمل. كاتب السطور هذه كان يقف بجانب تخشيبة السكن، يتابع مشيتهما سوية بتواضع ولا يلمس الواحد الأخرى علنًا، حيال الأرض والسماء، يتهامسان كلّ طريق الكثبان الرملية إلى الشارع. ”سيدو“ كان ينتظر إلى أن تجد زوجته مقعدًا في الحافلة، وعند تحركّها لوّح لها بيده وطفق عائدًا الهوينا وكأنّه لا يريد الفِراق، إلى التخشيبات التي بناها لأُسرته. وبما أن وقت وصول الحافلة بالتقريب كان معلومًا لكليهما، كان ”سيدو“ يخرج إلى مدخل التخشيبة ويُلقي نظره معنا نحو الشارع المكشوف. من تلك المسافة كان بالإمكان رؤية الصاعد للباص والنازل منه بجلاء. وكان بهجة (يافه) وصدقة (تسوديك) وألمازة (وپنينه)، يقفون معنا لرصد كلّ باص يصل إلى الموقف.

هذا المشهد، كان يتكرّر كلّ أسبوع، يوم الخميس. نحن الأولاد لاحظنا بالحال نزول ”الأُمّ“ من الحافلة. ”سيدو“ أصرّ على الذهاب لوحده لاستقبالها عند الموقف. قلنا، ليذهب؛ ”سيدو“ أحمر الشعر المنتصب وطويل القامة ابن الثماني وخمسين سنة كان يعدو كالظبي إلى الشارع ليلاقي زوجته. لا، هما لم يتعانقا، أبقيا ذلك بينهما فقط! أخذ منها السلال والحقيبة وبيده الثانية أمسك بيدها وبدآ يقطعان نصف الكيلومتر الرملي الذي فصل بينهما وبيننا. تلقينا الدرس الأسبوعي في موضوع ”ما هو الحبّ“؟

ظهر أنّ ”الأمّ “ تعبت من السفر والتسوّق ولقاءات أقاربها في تل أبيب. ”سيدو“ عرف ذلك وأبطأ في مشيه وسندها بمشيتها وواءم وتيرة سيره بوتيرة مشيها. السلال والحقيبة بالنسبة له كانت كوزن الريشة. تحدّثا طول الطريق، نحن ركضنا نحوهما ورددنا على عناقات ”الأمّ “ بعناق إزاء عيني ”سيدو“ المحذّرتين، فعلاقتنا به كانت مزيجًا من الخوف والحبّ. عندما كانت مريم تمرَض أحيانًا كان ”سيدو“ يروح إلى جانب سريرها كأسد في قفص ويصلّي سرًّا (بينه وبين نفسه) لشفائها عاجلا. كلّنا وقفنا بجانب سريرها، الأُمّ باتيه والأب راضي وأنا وأخي وهي أحبّت جميع بناتها وأصهارها وابنها، وكنّا أنا وأخي ننتظر ما تنطِق به لنلبّي طلبها حالا. عندما شُفيت أشرقت عيون الجميع.

إنّها كانت متمكّنة من اللغتين، الروسية والإيدش، وكانت تغنّي لاثنينا التهاليل بهما. لم نفهم أيّة كلمة إلّا أنّنا نمنا بسرعة من نغمة الأغاني. كان لها، مثلها مثل يهود روسيا، ميل لتعلّم اللغات، فسُرعان ما بدأت تتحدّث بالعبرية والعربية. علّمت بناتها ”سمْرَنة“ (جعل الشيء سامريًا) طبَق الباسطا (المعكرونة) بلحم الدجاج والبصل الذي يحتلّ
مكانه على موائد السامريين كلّ أسبوع وخاصّة في الأعراس.

* أشكر الكاتب، صديقي الأمين راضي صدقة (بنياميم رتسون تسدكه)، على إيفائي ببعض الأسماء العربية لبعض الأسماء العبرية الخاصّة بأبناء وبنات طائفته السامرية في نابلس وفي حولون.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
خمسون عامًا على توحيد السامريين /ب/
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات الصمود الحر الشريف :: Votre 1ère catégorie :: منتدى jalili الأستاذ الدكتور حسيب شحادة-
انتقل الى: